أما في سورة الحجر فلما كان القصد إفاضة ما بنفس محمد من قلق ليهدأ ويستقر ، وقلقه هذا سببه استهزاء صناديد مكة به ، جاءت الصورة تنطق بالقسوة والمحاورة مملوءة بالعنف .
إذن المسألة تنحصر في طريقة الوقف أو الوقوف على القصد أي على المعاني الثواني أو الأحاسيس والانفعالات . ومرة أخرى لم يؤم القرآن في قصصه قصد التعريف بالتأريخ أو إملاء أخبار .
والمسألة تزداد وضوحا في قصص لوط عليه السلام كما وردت في سورة هود ثم سورة الحجر . ويخبرنا الباحث أنه لا شأن له بترتيب الأحداث في كليهما السابق دراسته إنما يبغي توضيح أمرين يكشفان ما يرمي إليه من عناية القرآن بالمعاني الثواني أو الأحاسيس أو العواطف ، ذلك أن قصد القرآن الذي يرمي إليه في كل واحدة منهما له دخل في اختيار المواد الأدبية القصصية لا من جهة إختلاف المعاني الثواني بل من تركيب المواد ذاتها .
الحادثة واحدة وهي موقف قوم لوط منه حين جاءته الملائكة لتدمّر قريتهم ولتنجّي النبي لوط وأهله خلا امرأته ، بيد أن استعمال القرآن للحادثة ذاتها وتصويره لها في كليهما يباعد بين صورتيهما حتى يخيّل للقارئ أو السامع إختلاف الحادث في كل لا إختلاف الصورة فحسب كل هذه بسبب الحذف والزيادة ثم من جراء العواطف والأحاسيس .
وهنا يثور سؤال : لم اختلفت الصورتان وتباينت التعبيرات الفنية والأدبية ؟
الإجابة تكمن في قاعدة : ابحث عن المعاني الثواني وأعرض عن المعاني الأوائل .
والتذكير بأن القرآن لا يؤرّخ إنما يحكي أمورا أخرى هي التي تملي طريقة بناء القصة وأسلوب عرضها وبالتالي ومن جميعها يتأتى التصوير للحادث .
ثم يكرر خلف اللّه الغرض من قصص سورة هود وهو تثبيت قلب النبي عليه السلام وأسلوب القرآن في ذلك هو الأسلوب الفني الذي يعمد إلى الإيحاء والإفاضة وعبارات القصة تحمل من المعاني الثانية ما يلائم حال النبي عليه السلام وقصد القرآن .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 452
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٥٢