تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
حيّر هذا الصنيع القدماء إذ لم يتبيّنوا الأسرار الخفية للصور المختلفة التي يعرض فيها المواد الجزئية حين يقص عن هذا النبي أو ذاك عن موطن وآخر واعتبروه تكرارا وشكوه منه واجتهدوا في تعليله ثم ضرب لذلك مثلا بما جاء في كتاب ( درة التنزيل وغرة التأويل ) قوله تعالى
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
« 1 » وقال في سورة أخرى
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
« 2 » . للسائل أن يسأل : لما ذا اختلفت الحكايتان والمحكي شيء واحد ؟ ويجيب الإسكافي صاحب الدرة أنه لم يقصد أداء الألفاظ بأعيانها إنما قصد ذكر المعاني ذلك أن الألفاظ إذ اختلفت وأفادت المعنى المقصود كان اتفاقها واختلافها سواء . ويعقّب خلف اللّه على جواب الإسكافي بأنه وإن أحس بأصل المعنى إنما لم يتهيأ له من وضوح التفسير الأدبي وسر العمل الفني في دلالة الألفاظ والمواد الأدبية ما يحل به الإشكال . ما يطلق عليه البيانيون المعاني الثانية وما يسميه المحدثون اليوم إيحاءات الألفاظ ووقعها النفسي هو المقصود من الدراسة الفنية لأمثال هذه القصص وهو المقصد ذاته الذي جعله القرآن المعجز الأساس الأول في بناء القصة وتركيبها وأيضا في جمع الأقاصيص في سوره ، وضرب لذلك مثلا بآيات من سورة النمل تناولت قصة صالح مع ثمود وقصة لوط مع قومه . وعقّب عليها بقوله إن المقصود ليس هو تصوير ما حدث بين الرسولين وقومهما إنما قصد القرآن أن تصبح هذه الصور مصدر انفعال وتأثير وباعث أمن وخوف ورجاء . ويقدّم البرهان على رأيه أنه يتّضح من التوجيهات الدينية التي جاءت في الآيات :
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
« 3 » و
لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
« 4 » إذ
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 12 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآيتان 32 - 33 . ( 3 ) سورة النمل ، الآية 6 . ( 4 ) نفس السورة ، الآية 10 .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 450 | محمد أحمد خلف الله