الأخرى وتريك كل واحد منها الحركة التي تنفحه القدرة على القيام بدوره باقتدار حتى النهاية وقد تتمثّل الصياغة الفنية في رسم عنصر أو عناصر من جوانب مختلفة ومن زوايا متباينة ومواطن مختلفة حتى يستقل كل رسم بطابعه الخاص وشخصيته المتميّزة . وإذ لم يدرك المفسّرون هذا الصنيع الفني قالوا بالتكرار وهذا غير صحيح لأنه ليس من التكرار في شيء بل هو دليل على أن مبدعة ذو قدرة باهرة وقوة فائقة لأنه اللّه جلّ جلاله .
ومن هنا جاء تحديده لهم بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة .
وقد تتمثل العملية الفنية في تخليص العناصر التاريخية من أشخاص وأحداث من معانيها التاريخية وفي تحميلها بالعواطف الإنسانية أو بالمعاني الدينية والخلقية والاجتماعية .
وشرحها يضطر المؤلّف إلى مسّها مسا خفيفا عند الأصوليين ثم ينتهي منه إلى أن الغلط كله في الوقوف على المعاني الأولى وشرح الكلمات اللغوية وتبني مواضع الإعراب وأن الفهم الدقيق للنصوص الأدبية إنما يكون في الوقوف على ما انطوت عليه من أسرار الفصاحة والبلاغة أي من فن أدبي جميل .
أما النقّاد والأدباء فيرون أن الفضل والمزية في الأدب إنما يكون بإيحاءات أدبية وإثارات فنية يحملها اللفظ ولا يعد الأدب أدبا ولا الفن فنا إلا بما فيهما من صور صادقة التعبير قوية التأثير . هم إذن كشفوا في الأدب والفن عن سر الإعجاز ولا يرونه في المعاني الأولى بل في المعاني الثانية أي فيما تحمل من عواطف وتستثير من انفعالات ويرى المؤلّف أنه فيما يخص المواد الأدبية في القصص القرآني هي هذه :
هل قصد القرآن من عرضه لهذه المواد - أحداثا وأشخاصا - الدلالة الأولى أي فائدة الخبر بتعبير البلاغيين أم هو قصد شيئا آخر وراءه أي قصد المعاني الثانية ؟
الإجابة عند خلف اللّه أنه قصد إلى المعاني الثانية : الأدبية ، البلاغية ، استثارة العواطف ولم يقصد أبدا إلى المعاني الأولى فهو لم يرد تعليم الناس التاريخ أو شيئا من أحداثه . وإذ أن العواطف والانفعالات تختلف من موطن لآخر فإن القرآن يصنع من هذه المواد ما يصنعه الأدب والفن دائما بالألفاظ ويستخرج من المواد الأدبية القصصية معاني أدبية تشبه استخراجه المعاني المجازية من المعاني الحقيقية .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 449
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٤٩