ولا تقف المسألة عند هذا الحد بل تذهب إلى أبعد من ذلك فقد كان القرآن يلحظ العلاقة التي يفرضها المجتمع ويقيمها بين الصورة الأدبية والنفس البشرية . ويمثل لذلك بالآية التي تنفّر من عبادة الملائكة بتشبيهها بالإناث والبيئة العربية مستقرة على كراهية الإناث فلو أن تلك البيئة تعرف للأنثى حقها وتقدّرها وتعتقد أنها أجمل خلق اللّه لما أقدم القرآن على ذلك .
وكذلك اختار النعوت البشعة لجهنم باختيار أفظع ألوان الطعام والشراب لها مثل الغسلين والزقوم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين . . . إلخ . حتى ولو كانت بعض هذه الصور من اختراع الخيال وهذا ما جاء في الكشاف : وشبّه برءوس الشياطين لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير .
ثم يخاطب القارئ بأنه لن يستطيع - بعد ذلك كله - أن ينكر أن القرآن جعل أس اختياره للمواد الأدبية من صور وألفاظ القدرة على التأثير وهذه القدرة تستمد قوتها وحيويتها من الصلة التي يربط فيها المجتمع بين هذه الأدوات وبين النفوس وهو ما فطن إليه القدامى من علماء البلاغة عند حديثهم عن الدلالات . ثم يعرّج بعد ذلك الطواف الطويل أو يصل إلى الإجابة عن السؤال فيرد :
أن القدماء لا يتحرّجون من القول بأن القرآن كان يجيء على ما يعتقده الجاهليون ويزعمون ويستطرد بأن هذا القول يشعرنا بأن ما في الأقاصيص القرآنية من أحداث وأخبار لا يلزم أن يكون هو التاريخ ذلك أن القرآن يكتفي بما تزعمه العرب وما تعتقده في صوره البيانية المعجزة ، ولا يخفى أن القصة إحدى صور البيان العربي وأنه ( القرآن ) اكتفى في قصص أصحاب الكهف وذي القرنين بما كان يعتقده المخاطبون ومن هنا لا يصح الاعتراض على أن في أقاصيص القرآن مخالفات للحق والواقع بل للتاريخ ذاته .
دليل آخر يقدّمه الباحث على أن القرآن لم يهدف في قصصه إلى التأريخ . هو اختياره لبعض الرسل دون بعض وإطالته الحديث عن واحد أو نفر دون غيرهم وتأخيره تصوير حدث في حياة رسول وتقديم آخر كذا اختياره لغة المرسل إليهم لتغدو لغة الرسالة والوحي .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 454
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٥٤