الثاني : أن للجانب الغربي مساكن يحيط بها البحر ذي المياه الساخنة للغاية فهي حامية وحمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء . وهذا التأويل في رأينا لا يقل عن سابقه تعسّفا فما الذي كان يمنع من القول : تغرب في بحر ساخن كما أن اشتمال البحور الغربية على حمأة سوداء مسألة فيها نظر .
الثالث : قول أهل الأخبار أن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء . والرازي نفسه كشف عن فساده بقوله ( وهذا في غاية البعد ) ويرى أن الشمس طالعة وظاهرة في كل الأوقات لأن الذين عندهم ليل في نصف الكرة يكون هناك نهار طالعة فيه الشمس عند من هم في النصف الآخر ومن ثم يغدو القول بغيابها في عين حمئة على خلاف اليقين ولما كان كلام اللّه مبرأ من ذلك لزم التأويل ( الذي ذكرناه ) مع أننا رأينا أن هذا التأويل أو التأويلات ( ليست بشيء ) !
ويخلص خلف اللّه إلى أن كلا من النيسابوري والرازي وأبي حيان ذهبوا إلى ضرورة التأويل في هذه المسألة ( ليبرأ كلام اللّه من أن يكون على خلاف اليقين ) ويضيف أنه إذ يتّفق معهم في أن هذا ليس تصويرا لحقيقة تاريخية ويحترم تأويلاتهم فإنه يختلف معهم لأن المسألة ليست في حاجة إليها إذ أن القرآن سواء في هذه القصة أم تلك التي سبقتها إنما كان يصوّر معرفة أهل الكتاب عن الإسكندر ولما أخبروا به وفد قريش الذين حضروا من مكة ليسألوهم عن محمد وهل هو نبي حقا .
ثم يقارن بين الطبري والزمخشري صاحب الكشّاف من جانب وبين الرازي من جانب آخر ويرجع العلّة في ذلك إلى أن الأخير ( الثالث ) عرف ما لم يعرفه الأول والثاني عن حقيقة الشمس والأرض وسائر الكواكب ومن ثم فلم يضطراهما إلى التأويل ، إذن الكشوف العلمية هي التي دفعت الرازي إلى طرح تلك التأويلات .
ويوضح لنا خلف اللّه السبب في اضطراره إلى القول بأن هذه القصة تصوّر المعارف التاريخية والكونية عند أهل الكتاب والمشركين المعاصرين للنبي عليه السلام .
السبب هو تاريخ المسألة في حياة النبي وموقف المشركين واليهود منه وتوجيههم الأسئلة إليه بشرط أن تكون الإجابة ( عليها ) كما يعرفون . وفي رأينا أن تعليل خلف اللّه يشوبه
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 411
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤١١