أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ . . .
« 1 » لأن انقلاب العصا إلى ثعبان مبين لا يقوم على اعتبار بلاغي عاطفي إنما أراد القرآن منه تقديم صورة يشيع فيها الخوف من كل جانب ثم ينتقل إلى القصة التي وردت في سورة طه التي نزلت تسلية للنبي عليه السلام ومن هنا جاء عرض القصة فيها عرضا هينا يدفع إلى النفس الثقة والاطمئنان ويدفع عنها الهم والحزن ومن هنا كان اختيار الحية أليق بالمقام بخلاف ما جاء في سورة الشعراء من أنها ثعبان مبين لأن الموقف فيها موقف تحيّر وتحدّ وطلب بيّنة .
والنتيجة التي ينتهي إليها هي أن العنصر القصصي الواحد يعرض في صور مختلفة تناسب السياق ويلحظ فيها القصد والغرض تحقيقا للمنطق العاطفي وأن القرآن يعمد إلى التصوير الأدبي الفني لا التعليمي التاريخي ( وليس بعد ذلك دلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية ) .
ثم يورد المؤلّف الآيات 21 وما بعدها من سورة الكهف وهي الأجزاء القصصية الخاصة بأصحاب الكهف للدلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية تصوّر الأحداث كما يعتقدها المخاطبون وهو ما أجازه بعض الأقدمين ورأى البعض الآخر أنه لازم ليسلم القرآن من المطاعن ويستقيم أسلوبه الأدبي في القص وكذلك الآيات من 83 إلى 98 من السورة ذاتها وهي التي تحكي قصة ذي القرنين ثم يعقبه بما أطلق عليه ( صنيع الأقدمين ) :
البعض فيما رواه الطبري يرى أن القرآن الكريم صوّر قصة أصحاب الكهف طبقا لآراء أهل الكتاب وهذا يتضح من جهة عددهم في قوله عزّ ذكره
وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً
« 2 » أي لا تستفت في عدّتهم من أهل الكتاب أحدا لأنهم لا يعلمونها وإنما قولهم فيهم رجما بالغيب لا يقينا من القول وعن المدة فإن ما ورد في السورة بشأنها ( 309 سنة ) هو خبر من اللّه تعالى عن أهل الكتاب ومن ذهب إلى ذلك كما جاء في الطبري استشهد
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية 116 .
( 2 ) سورة الكهف ، الآية 22 .