أهل الكتاب مثل أخبار موسى مع فرعون . إذن لا يجوز أن يكون العلم بها دليل ثبوت على نبوّة محمد ولا دليل إعجاز . . . وهنا ينتصب رد على هذا النفي أن محمدا لم يخالط من كانوا يعلمون تلك الأخبار مخالطة تمكّنه من معرفة التفصيلات الدقيقة التي وردت عنها في القرآن . . . أي أن ذكرها دليل على النبوّة والإعجاز ولو أنه لا يصلح ردا على ما قال مشركو العرب بأن محمدا اكتتبها من كتب الأولين . . . التي لا بد أن تحوي التفصيلات الدقيقة وغير الدقيقة بيد أن اكتتاب محمد لها من تلك الكتب يهدمه أن محمدا كان أميا لا يقرأ ولا يكتب .
فعاد العقل الإسلامي مرة أخرى وفكّر أن الإعجاز ليس في الأخبار ولا في تفاصيلها بل في قوة التأثير وسحر البيان وفصاحة الألفاظ وجزالة القول وبلاغة السرد ومتانة التركيب ومن هنا كان التحدي بالإتيان بعشر سور مثلها أو حتى بسورة واحدة .
ويرى خلف اللّه أن احتواء القصص على الأخبار مع ذلك أفاد كثيرا في الإيحاء بنبوّة النبي عليه السلام وعلى صدق رسالته ، لكن على أساس أن قوة هذا الإيحاء تقوم على الرأي الديني اليهودي والذي لا يلزم حتما أن تكون من التاريخ بل مما يعرفه اليهود أو العرب .
تلك الوقفات إذن دفعت العقل الإسلامي لأن يسلم أن التاريخ في ذاته كان هدفا ومقصدا وغاية وأن التمسّك بهذا الرأي يشكّل خطرا على القرآن ومحمد معا بل إنه يمهّد الطريق أمام الناس للكفر بالقرآن كما كفروا بالتوراة .
لذا نرى مفسّرا مثل الرازي يقول ( إن المقصود ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها ) . والنيسابوري يذهب إلى أنهم ( مشركو مكة ) لم يعرفوا المقصود منها أي من قصص القرآن فقالوا : أساطير الأولين وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل . . . إلخ .
وأخيرا وصل تفسير المنار إلى أن التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة . وهكذا بعد
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 377
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٧٧