تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
التاريخ ولأن القصص القرآني لم يقصد إلا إلى الموعظة والعبرة وما شابههما من مقاصد وأغراض . إن المخالفة هنا لن تكون إلا مخالفة لما تتصوره البيئة ولما تعرفه عن التاريخ ولم يقل قائل بأن ما تعرفه البيئة العربية عن التاريخ هو الحق والصدق . ولم يقل قائل بأن المخالفة لما في أدمغة العرب من صور عن التاريخ هي الكفر والإلحاد بل لعل هذه المخالفة واجبة حتى يكون تصحيح التاريخ وخلوه من الخيالات والأوهام . أعتقد أنك قد فطنت إلى ما نريد تقريره من نظرية تحل مشكلات المفسّرين وترد اعتراضات المستشرقين والمبشّرين . وأعتقد أنك قد فطنت إلى أن هذه النظرية ليست إلا القول بأن ما في القصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهنية لما يعرفه المعاصرون للنبي عليه السلام عن التاريخ وما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون هو الحق والواقع . كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق والواقع لأن القرآن الكريم كان يجيء في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب وتعتقد البيئة ويعتقد المخاطبون . وهنا قد تقول ما يقوله الكثيرون من أن هذا التفسير يعارض بعض نصوص القرآن . فهو يعارض وصف القصص القرآني بالحق ويعارض آيات الافتراء . ولذا يجب علينا أن نقف عند هذه الآيات لنريك أنه لا تعارض . ونستطيع أن نبدأ بآيات الافتراء فنقول : ( 1 ) إن آيات الافتراء لا تتعلق بالمواد الأدبية القصصية ولا بما في هذه القصص من صور للأحداث والأشخاص من حيث هي صور وإنما تتعلق بالقرآن كله من حيث هو كتاب ديني وصلته بالخالق سبحانه وتعالى أو بمحمد عليه السلام ، تتعلق بصاحب النص أهو الخالق أنزله على النبي عليه السلام أم هو النبي وهو الذي يفتري حين ينسب هذا القرآن أو هذه القصص إلى اللّه . ذلك هو الأمر الذي تدور حوله هذه الآيات وهو الأمر الذي لم يغب عن بال القدماء من المفسّرين ثم هو الأمر الواضح من نصوص القرآن الكريم . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ . . .
« 1 » إلخ ، ما يأتي : واعلن أن تعلّق هذه الآية بما قبلها ظاهر وذلك لأنهم التمسوا
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 37 وسورة يونس ، الآية 17 .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 276 | محمد أحمد خلف الله