الاستعارة والكناية والتشبيه أما المنطقيون فإنما يعتبرون اللزوم العقلي « 1 » . وجاء في كتاب الإيضاح ما يلي : ولا يشترط مما يثبته اعتقاد المخاطب إما لعرف أو لغيره « 2 » .
وها هم القدماء كما ترى يجعلون لاعتقاد المخاطب أثره في بناء الجمل الأدبية ويقولون في غير تحرّج إن القرآن كان يجيء على ما يعتقد الجاهليون وما يزعمون . وهو قول يشعرنا بأن ما في الأقاصيص القرآنية من أحداث وأخبار لا يلزم أن يكون هو التاريخ ذلك لأن القرآن الكريم قد يكتفي بما تزعمه العرب وما تعتقده في صوره البيانية المعجزة وليس يخفى أن القصة صورة من صور البيان العربي وأن القرآن الكريم قد اكتفى في قصص أصحاب الكهف وذي القرنين بما كان يعتقده المخاطبون . ومن هنا لا يصح لمعترض أن يعترض على أن في الأقاصيص القرآنية مخالفات للحق والواقع أو مخالفات للتاريخ .
إن اختيار القرآن لبعض الرسل دون بعض ، وإطالته الحديث عن بعض الرسل دون بعض ، وتأخيره تصوير بعض الأحداث من حياة الرسول وتعجيله بتصوير بعض ، واختياره لغة المرسل إليهم لتكون لغة الوحي والرسالة . إن هذا كله هو الدليل على أن القرآن لم يقصد قصصه إلى التاريخ .
وإن الصنيع البلاغي للقرآن الذي يقوم على تخليص العناصر القصصية من أحداث وأشخاص وأخبار من معانيها التاريخية وجعلها صالحة كل الصلاحية لاستثارة العواطف والانفعالات حتى تكون العظة والعبرة ، وتكون البشارة والإنذار ، وتكون الهداية والإرشاد ، ويكون الدفاع عن الدعوة الإسلامية والتمكين لها حتى في نفوس المعارضة . إن هذا كله لهو الدليل القوي على أن القرآن الكريم لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية . ومن هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث ويدقّق وليس عليه من بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل ، ولن تكون مخالفة لما أراده اللّه أو لما قصد إليه القرآن لأن اللّه لم يرد تعليمنا
هامش
( 1 ) شروح التخليص ، ج 3 ، ص 173 .
( 2 ) المصدر السابق ، ج 3 ، ص 372 .