لم يتهيأ له من وضوح التفسير الأدبي وسر العمل الفني في دلالة الألفاظ والمواد الأدبية ما يحل به الإشكال ففصل بين اللفظ والمعنى فصلا تحكميا .
إن الأساس الذي يفسّر به الخطيب هذه الظاهرة هو الأساس الذي سبق أن نقلناه عنه فيما مضى من أنه لا إختلاف هناك . وواضح أن الإمام الفاضل إنما ينظر حينما ينظر إلى المعاني الأولى في هذه السور وهذه التعبيرات والمعاني الأولى ليست فيما نعتقد من الأمور التي يقصد إليها من قصص القرآن .
إن ما يسميه البيانيون بالمعاني الثانية وما يسميه المحدثون اليوم بإيحاءات الألفاظ ووقعها النفسي والصور الأدبية هو المقصود من الدراسة الفنية لأمثال هذه النصوص وهذا هو المقصد بعينه الذي لا شك في أن القرآن المعجز قد جعله الأساس الأول في بناء القصة وتركيبها وفي جمع الأقاصيص في السورة الواحدة . أي أن ذلك كله من صنيع القرآن ذو مغزى أدبي فني ثم هو سر الإعجاز النظمي .
لنقرأ سويا هذه الآيات من سورة النمل : قال تعالى
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ * قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ * وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة النمل ، الآيات 45 - 59 .