يبحثون عن كل ذلك ومن هنا لا يرون الأدب أدبا ولا الفن فنا إلا بما فيهما من صور صادقة التعبير قوية التأثير ولعل هذا أو قريبا منه هو الذي أراده ابن الأثير حين قال :
وبعد هذا فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين وأخلاق ولطافة مزاج « 1 » .
يبحثون إذا في الأدب والفن عن سر الإعجاز ويرون هذا السر في غير المعاني الأولى يرونه في المعاني الثانية أو فيما تحمل هذه المعاني من عواطف وتستثير من انفعالات .
والمسألة الآن فيما يخص المواد الأدبية في القصص القرآني هي هذه .
أقصد القرآن من عرضه لهذه المواد ، أحداثا وأشخاصا ، الدلالة الأولى أي فائدة الخبر كما يقول البلاغيون وهي معرفة هذه الأحداث والأشخاص كما يقصد اللغوي معرفة مدلولات الألفاظ الأولى ؟ أم قصد شيئا آخر وراء ذلك وبعده هو المعاني الثانية ، هو تلك الآثار الأدبية في النفس عند عرض هذه الأحداث والأشخاص عليها عرضا أدبيا فنيا لتثير الانفعال وتوحي بالعبرة والعظة ؟
إن دراستنا لما سبق من قيم تاريخية ومن ألوان قصصية ومن مقاصد وأغراض تدل على أن القرآن لا يقصد بقصصه إلى المعاني الأولى ولا يريد تعليم الناس التاريخ أو شيئا عن الأحداث وإنما يقصد إلى المعاني الثانية وهي المعاني الأدبية أو البلاغية وهي الاستثارات العاطفية والصور الفنية الأدبية وغيرها مما يعده أصحاب الفنون والآداب ملاك الأدب وغاية البلاغة .
وإذا كانت هذه العواطف والانفعالات التي تستثيرها المواد الأدبية في القصص القرآني وهذه الأحاسيس التي تصوّرها هذه المواد تختلف في موطن عنها في آخر كان معنى ذلك أن القرآن يصنع في هذه المواد ما يصنعه الأدب والفن دائما بالألفاظ وأنه يستخرج من هذه المواد الأدبية القصصية معاني أدبية تشبه استخراجه المعاني المجازية من
هامش
( 1 ) المثل السائر ، ص 69 .