تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ويضربون لهذا الصنيع المثل بألفاظ الصلاة والزكاة فلكل منهما معناها في اللغة ومعناها في الشرع . ويذهب الأصوليون في الحديث عن هذا الصنيع إلى أبعد من هذا فيذكرون لنا أن دلالة هذه الألفاظ على المعاني الشرعية لا تحتاج إلى القرائن « 1 » . ويذهب البلاغيون إلى أن أسرار الإعجاز الأدبي لا تكون في المعاني اللغوية أو النحوية وهي المعاني الأولى وإنما تكون في المعاني الثانية وهي التي يحمّلها الأديب اللفظ أو العواطف البشرية التي تمتلئ بها الألفاظ والتراكيب ومن هنا يجعلون للنظم الفضل والمزية . يقول ابن الأثير : . . . موضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية وهو والنحوي يشتركان في أن النحو ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي وتلك دلالة عامة وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة وهي دلالة خاصة والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن وذلك أمر وراء النحو والإعراب . ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور ويعلم مواقع إعرابه ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة ومن هنا غلط مفسّرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعاني وما فيها من الكلمات اللغوية وتبيين مواقع الإعراب منها دون شرح ما تضمّنته من أسرار الفصاحة والبلاغة « 2 » . وواضح أن ابن الأثير يرى الغلط كل الغلط في الوقوف على المعاني الأولى وشرح الكلمات اللغوية وتبيين مواضع الإعراب . ويرى أن الفهم الدقيق للنصوص الأدبية إنما يكون في الوقوف على ما فيها من أسرار للفصاحة والبلاغة أو بعبارة أخرى على ما فيها من فن أدبي جميل . ويرى النقاد والأدباء أن الفضل والمزية في الأدب إنما يكونان بإيحاءات أدبية وإثارات فنية يحملها اللفظ كما تكون في مقدار ما يعبّر عنه من انفعالات وما يصوّر من أحاسيس ومن هنا نراهم يقدرون آثار الاستعمال وهي شيء بعد المعاني اللغوية كما نراهم يبحثون عن تلك الروح التي بثّها الأديب في اللفظ ومنحه بها الحيوية .
هامش
( 1 ) فواتح الرحموت ، ج 1 ، ص 221 - 222 . ( 2 ) المثل السائر ، ص 3 .