ومما يؤيّد ما نذهب إليه أن دوران هذه المواد في القرآن كان . يتبع الشهرة فالشخصية التي عرفت واشتهرت والأحداث التي شاعت في البيئة كانت أكثر المواد استخداما في بناء القصة القرآنية . وعلى العكس من ذلك الأحداث التي لم تعرف والشخصيات التي لم تشتهر . ولعله من هنا كانت شخصية موسى أكثر دورانا من شخصية أيوب مثلا بل أكثر من أي شخصية أخرى . ذلك لأن موسى كان نبي اليهود ولقد كان اليهود في ذلك الزمن يسيطرون على البيئة العربية من حيث التفكير الديني حتى لقد كان العرب أنفسهم يستشيرونهم في أمر محمد عليه السلام . وهذه السيطرة تجعلهم يقصون كثيرا أخبار موسى وفرعون وقليلا أخبار غيره من الأنبياء .
إن مذهب القرآن فيما يتضح من الظواهر السابقة هو بناء القصة القرآنية على عناصر يستمدها من البيئة أو من العقلية العربية وليس ذلك إلا ليكون القصص أشد تأثيرا وأقوى سلطانا وإلا ليمضي القص بين المألوف العادي من الأحداث والأشخاص والغريب النادر من الأفكار والآراء .
مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية فالقرآن لم يبعد عنها إلا في القليل النادر ومن هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة بأن القرآن ليس إلا أساطير الأولين ذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية والأحداث القصصية مما يعرفون ومن هنا أيضا كان كل من الرازي والنيسابوري في غاية اللباقة والدقة في الفهم حين فرّقا بين جسم القصة وهيكل الحكاية وبين ما جاء فيها من توجيهات دينية وحين قالا بأن هذه التوجيهات هي المقصد الأول من القصص القرآني أما الجسم والهيكل فليست له قيمة كبيرة لأنه ليس المقصد والغرض وليس هناك ما يمنع من أن يكون الجسم أو الهيكل من أساطير الأولين .
ولعلك لا زلت تذكر نص الرازي الذي وضعناه بين يديك في الفصل الأول من هذا الباب عند حديثنا عن القصة الأسطورية ، فإنه النص الذي نشير إليه في هذا المقام .
يأخذ القرآن كما ترى عناصره القصصية من البيئة العربية ويبني من هذه العناصر أقاصيص هي التي نراها في القرآن الكريم وهي التي نريد أن نشرح ما فيها من صنيع بلاغي أو من عمل أدبي لعل هذا الشرح أن يبصرنا بما في هذا القصص من أسرار للإعجاز .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 257
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٢٥٧