وتلك هي عمليات الإفاضة والإيحاء التي يقول بها المحدثون من النفسيين والتي تحدثوا عنها حين تحدثوا عن عمل العقل في الفن وعن الوحي العاطفي والوحي الذي يوحيه الفن . ونستطيع أن ننقل هنا تعريب عبارتين لواحد من هؤلاء لنفهم المسألة الفهم الواضح ولنستعين بها على فهم كل ما نصوّر في هذا الباب من قيم فنية .
يقول وردز وورث في كتابه « الحياة العقلية » بصدد حديثه عن الوحي الفني العاطفي ما يلي « إنك إذا مررت صدفة بالقطعة الفنية النفيسة أثناء اجتيازك متحف الفنون الجميلة قد تحرّك عواطفك بل ربما أثارت دموعك . وكذلك يقال عن القطعة الموسيقية الجيدة التي ليس من الضروري أن تكون محزنة » .
أما لما ذا تثار هذه العاطفة الخاصة فأمر لم يتقرّر بعد . وهو أمر لا نستطيع تحليله غير أن وحي الفن للعاطفة في غير هذه الأحوال قابل للتحليل . فإن الشيء المحزن يوحي لباعث الحزن مباشرة والمضحك لباعث الضحك والمؤسف للخوف والهرب . كما أن الدافع الجنسي يستثمر في الرسم والنحت في أحيان كثيرة كما يستثمر في الآداب « 1 » .
كما يقول بصدد الوحي الفني الفكري ما يلي « إن الفن قد يرضينا لأنه يوحي إلينا وحيا فكريا كما يتضح عندما نتذكّر أن كثيرا من الأعمال الفنية العظيمة تحتاج إلى جهود فكرية لكي نفهمها ونرتاح إليها فيجب أن تكون منتبها كل الانتباه لتتمكن من متابعة رواية من روايات شكسبير كما أنك تحتاج إلى إيجاد مغزى لصورة زيتية قبل أن تتمكن من التلذّذ بها جيدا .
وقد لا نفتكر عادة عندما نرى صورة فنية جميلة أو نسمع قطعة موسيقية بديعة أنها مسألة طرحت أمامنا للحل والحقيقة أنها كذلك . ويرجع تأثير القطعة الفنية الفكري إلى أنها مسألة تحتاج إلى حل ولا يخفى أن إدراكنا مغزى قطعة فنية يحتاج إلى جهود وانتباه وإذا كانت المسألة المطروحة أمامنا صعبة جدا كان العمل الفني جافا وإذ كانت سهلة كان تافها » « 2 » .
هامش
( 1 ) الحياة العقلية ، ص 62 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 623 .