وإذا كنا قد جعلنا من النوع الأول دراسة القيم فإننا قد جعلنا من النوع الثاني دراسة المقاصد والأغراض .
ونحدد الوضع فنقول إن الغرض هنا هو المقصد الذي من أجله نزلت القصة القرآنية وهو الذي من أجله بنيت على صورة خاصة وعرضت بأسلوب خاص .
وإلى جانب هذه الأغراض على هذا الوضع توجد الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها القصة في المجتمع وتخدم بها الحياة والأحياء وهي وظيفة تؤديها جميع الفنون من موسيقى ونحت وتصوير . . . إلخ .
هذه الوظيفة نستطيع أن نعدها غرضا عاما للقصة أدته في المجتمع العربي على إختلاف نحله وألوانه وعلى ما فيه من مؤيدين ومعارضين .
هذه الوظيفة التي تؤديها الفنون جميعها ومنها الأدب تنتهي عند عمليتي الإيحاء والإفاضة فتلك وظيفتها الاجتماعية وذلك هو دورها الذي تلعبه في الحياة . ويستوي في هذين - الإيحاء والإفاضة - الخالق المبدع والمشاهد المستمع وإن وقف دور الأول في الغالب عند عملية الإفاضة ذلك لأن الحياة نفسها هي التي تقوم بدور الإيحاء .
وقد يكون من فضل الرازي علينا أن نذكر له هنا صنيعه الحسن في دلالته على وجود هذه الوظيفة الاجتماعية للفنون جميعها في القصة القرآنية . حتى لقد كرر الحديث عن هذه الوظيفة كما هي عادته في كثير من المواقف ونستطيع أن ننقل هنا بعض حديثه الذي ذكره عند تفسيره لقصة نوح من سورة يونس فقد قال رحمه اللّه « وثانيها ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه كما يقال المصيبة إذا عمّت خفّت .
وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص وعلموا أن الجهّال وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن اللّه تعالى أعانهم ونصرهم وأيّدهم وقهر أعداءهم كان سماع هؤلاء الكفّار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم ووقوع الوجل في صدورهم وحينئذ يقلّلون من أنواع الإيذاء والسفاهة » « 1 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، ج 5 ، ص 15 .