كان أثر هذه الأقوال في نفس النبي قويا وفعالا وكانت تلك الخواطر التي أخذت مكانها من قلب النبي عليه السلام أو من قلوب الأتباع . قال تعالى
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
« 1 » .
على أن هذا الضغط العاطفي لم يقف عند حد البلبلة النفسية بل تجاوزها إلى ما هو أبعد مدى وأنفذ أثرا حتى لنرى النبي عليه السلام يدعو ربه وهو محنق يكظم غيظه ويضغط عواطفه تلك التي أوشكت على الانفجار . قال تعالى
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
« 2 » وقال تعالى
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
« 3 » وقال
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
« 4 » .
كان تخفيف هذا الضغط أو كانت الإفاضة عما بنفس النبي عليه السلام ونفوس الأنصار والأتباع مقصدا من مقاصد القصص القرآني حتى لا تتزلزل النفوس وتترك الدعوة الإسلامية ولو حدث هذا لما قامت لها قائمة .
كانت عملية القص في مثل هذه الظروف من العمليات التي يقصد من ورائها القرآن تثبيت قلب النبي عليه السلام وقلوب المؤمنين ورد الثقة إلى أنفسهم وبث الطمأنينة في قلوبهم وإزالة الهم والقلق . وكانت النتيجة التالية لكل هذا هي ذلك الصبر الطويل والثبات الذي وصل بهم في النهاية إلى النصر على الأعداء والمعارضين .
على أن القرآن نفسه قد صرّح بهذا الغرض حين قال
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية 94 .
( 2 ) سورة القلم ، الآيتان 48 - 49 .
( 3 ) سورة الشعراء ، الآية 3 .
( 4 ) سورة هود ، الآية 12 .