تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
إن هذه الأجزاء نزلت عندما نزلت لا على أنها تكميل لقصة سابقة بل نزلت لأغراض مختلفة باختلاف الظروف والمناسبات ومن هنا بنيت بناية مستقلة لتحقيق القصد من إيرادها . ثم إن هناك سببا آخر هو هذا التكرار الكثير لأقاصيص بعض الأنبياء عليهم السلام ونستطيع أن نأخذ قصة لوط مثلا أو قصة شعيب أو قصة صالح وأن تفكر فيها من حيث توزيع هذه الأجزاء فستجد أن الكلام لا يستقيم لأن الأحداث هي الأحداث والأشخاص هم الأشخاص في كل قصة وفي كل مكان ولن يسلمك هذا إلى القول بتوزيع الأجزاء في هذه المواطن بحال من الأحوال . إن المنهج السديد فيما نعتقد هو أن ننظر إلى هذه الأقاصيص على أنها أقاصيص مستقلة وليست من قبيل الأجزاء فهي عرض أدبي للحادث تختلف ألوانه باختلاف أغراضه . كما يكون الشخص التاريخي الواحد وأحداث حياته مادة قصص متعددة تصاغ صوغا مختلفا لكشف جوانب مختلفة ومعان متعددة للشخصية وأحداثها وتلك ظاهرة رقي فني كبرى قدم القرآن مثلا منها صح معها التحدي لهذا التكرار الذي لم يفهم على وجهه حتى لقد كان مما يعاب على القرآن ويلتمس له الوجه ويطلب عنه الرد فيختلف في ذلك القدماء والمحدثون ولا يكادون يتّفقون على الوجه الفني له بل يلتمسون لذلك أشياء وراء الصوغ البلاغي والنظم الأدبي والنسج الفني . ولو جعلوا هذا وجه الرأي في تلك القصص وتنوّعها لكان وجها من الصواب في فهم القرآن الكريم وإعجازه وإنه لوجه نسأل اللّه له ذيوعا وبه مثوبة . وفي ختام هذا الفصل نستطيع أن نقول إن هذا الموقف هو الذي يتّفق والقاعدة الأصولية وهو الذي يجري وصنيع القرآن المنسّق في المجمع بين الأقاصيص المختلفة في السورة الواحدة وفي الجري على طريقة واحدة في بنائها وتركيبها وفاء بما اتّحد فيها من المقاصد والأغراض . ونعتقد أن المسألة بعد كل هذا أبين من أن تسبّب لبسا وأسمى من أن تكون مبعث اشتباه فلنتركها إلى الحديث عن شيء آخر هو الموضوعات والأغراض .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 224 | محمد أحمد خلف الله