القرآن فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي من عند اللّه وكلامه فلهذا قال
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ
« 1 » .
والذي يحسن بنا أن نلتفت إليه هنا هو أن الرازي يسأل عن كيفية أن يكون قوله تعالى .
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ . . .
إلخ إجابة عن قولهم
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . . .
إلخ ذلك لأن المتبادر أن الرد الذي كان يتوقّعه الرازي إنما يكون بنفي وجود الأساطير في القرآن ومن هنا حاول أن يجعل إجابة القرآن ملاقية للشبهة حين وجد أن الرد ليس نفيا لوجود الأساطير في القرآن بل نفي موجود آخر هو أنه ليس منزلا من
الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. ولعلنا لا نوافق الرازي فيما وجّه به الرد بل نرى أن إجابة القرآن هي الإجابة الطبيعية وهي الإجابة التي لا محيد عنها في هذا الميدان . ذلك لأن مدار الحوار بين القرآن والمشركين لم يكن عن ورود الأساطير في القرآن وإنما كان عن اتخاذهم ورود الأساطير دليلا على أن القرآن من عند محمد لم يجئه به الوحي ولم ينزل عليه من السماء . ومن هنا كانت الإجابة في محلها وكان إثبات أن القرآن من عند اللّه
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ولم تكن الإجابة نفي ورود أساطير في القرآن .
وهذا هو الذي يدل عليه أيضا ما ذكره القرآن من قبلهم
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
« 2 » ذلك لأنهم كانوا يتخيلون استبعاد أن يصدر مثل هذا القصص الأسطوري عن اللّه ولذا وقفوا موقفهم هذا من النبي عليه السلام ومن القرآن واشتطّوا في ذلك وغلوا وهم مخطئون .
وإذا كان إحساس القوم بورود الأساطير في القرآن قويا عنيفا وعقيدتهم في ذلك قوية ثابتة .
وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند اللّه .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، ج 6 ، ص 354 .
( 2 ) سورة النحل ، الآية 24 .