ونحن إذ نعتقد بصدق القرآن ودقّته في تصوير إحساساتهم لا بد لنا من التسليم بأن هذه العقيدة كانت قوية عندهم وتقوم على أساس يطمئنون إليه من حيث وسعهم معه أن يقرروا بهذه القوة وجود الأساطير في القرآن ذلك لأنهم لا يستطيعون هذا القول إلا إذا كان هناك ما يبرّر فعلا هذا القول في تقديرهم ويجعلهم يؤكّدونه هذا التأكيد .
وفي الأحقاف يقف ولد هو فيما يروي المفسّرون ابن أبي بكر الصديق من والديه هذا الموقف القاسي العنيف
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
« 1 » .
وما من شك في صدق القرآن ودقّته في تصويره لخلجات الأنفس ولذا نقدّر بأن هذا الشخص الذي يضجر من والديه ويتأفف من قولهما ويشك في عودته إلى الحياة مرة ثانية ويقيم هذا الشك على ملاحظته لظاهرة من الظواهر هي أن القرون قد خلت من قبله ولم يعد إلى الحياة أحد كان قوي العقيدة شديد اليقين في أن ما وعد به من الإخراج إنما هو من الأساطير .
وهكذا نلحظ أن الشبهة عنده قوية عنيفة وأن القرآن يصوّرها تصويرا دقيقا صادقا ونحس نحن من هذا التصوير القرآني أن القوم كانوا إنما يعبّرون عما يحسّون ويشعرون به نحو ما يتلى عليهم من آي الذكر الحكيم فهم لم يقولوا هذا القول كذبا وادعاء وإنما قالوه عن شبهة قوية وعقيدة ثابتة .
ونستطيع أن نسأل أنفسنا قائلين هل معنى ذلك الذي يقرّره القرآن أن في القرآن شيئا دعاهم إلى هذا القول الذي يدل على التقرير القوي والاعتقاد المتمكّن وهل هذا الشيء من الأخطاء التي ملكت عليهم نفوسهم أو هو شيء من حال القرآن جعلهم يقولون ذلك ؟ لنلتمس الجواب عن هذا من دلالة تعرّض القرآن للأساطير من نفيها عن نفسه وشدة حرصه على ذلك أو من دلالته على وقوفه منها موقفا يخالفه ذلك ؟
لننتظر وسنرى .
هامش
( 1 ) سورة الأحقاف ، الآية 17 .