ورابع ما يفهم من النظر في هذه الآيات التي هي كل ما تحدّث به القرآن عن الأساطير أن القرآن نفسه لم يحرص على أن ينفي عن نفسه وجود الأساطير فيه وإنما حرص على أن ينكر أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند اللّه .
واستعرض معي الآيات مرة أخرى لتتبيّن موقف القرآن نحو هذا الحرص على نفي وجود الأساطير فيه وسترى :
( 1 ) أن القرآن اكتفى بوصف هذا الصنيع من المشركين في آيات سور الأنفال ، المؤمنون ، النمل ، الأحقاف ، دون تعقيب عليه .
( 2 ) وأن القرآن اكتفى بتهديد القوم في آيات سور الأنعام والمطففين . وهو تهديد يقوم على إنكارهم ليوم البعث أو على صدّهم الناس عن اتباع النبي وليس منه التهديد على قولهم بأن الأساطير قد وردت في القرآن الكريم .
( 3 ) ومرة واحدة يعرض القرآن للرد عليهم في قيلهم بأنه أساطير وهي المرة التي ترد في سورة الفرقان ، وهذه هي الآيات
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
« 1 » .
فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن ؟ أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتتبها وتملى عليه ويثبت أنها من عند اللّه .
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ . . .
إلخ .
لعل الثاني أوضح ، ولعل هذا الوضوح هو الذي جعل الرازي في مناقشته لرد القرآن عليهم يقول البحث الأول في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة وتقريره ما قدّمناه من أنه عليه السلام تحدّاهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآيتان 5 - 6 .