30 - 36 من سورة الأنفال مكية . وأقرب ما يفهم من ذلك أن الحديث عن الأساطير إنما كان من أهل مكة وجمهرتهم المطلقة من المشركين وأنه قول لم يقل في المدينة بعد انتقال النبي عليه السلام إليها . وهذه ظاهرة تحتاج إلى تفسير وتعليل .
وثاني ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن القائلين لهذا القول هم في الغالب الذين ينكرون البعث ولا يؤمنون بالحياة الآخرة . وذلك واضح كل الوضوح من آيات سور :
المؤمنون ، النمل ، الأحقاف ، المطففين . ذلك لأن الحديث معهم في هذه المسألة بالذات ، وهو متصل بسبب قوي بالحديث عن الحياة الآخرة في آيات سور الأنعام والنحل .
وتلك ظاهرة تستحق التفسير أيضا والتعليل .
وثالث ما يفهم من النظر في هذه الآيات أن المشركين كانوا يعتقدون بما يقولون اعتقادا صادقا وأن الشبهة عندهم كانت قوية جارفة وذلك هو الواضح تماما من هذه الآيات التي يحسن بنا أن نستعرضها سويا .
في سورة الأنعام يذهب المشركون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيستمعون القرآن لكنهم بعد الاستماع يجادلونه ويقولون له
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
« 1 » . ونعتقد أنهم لم يقولوا هذا القول في مواجهة النبي وأمام سمعه وبصره إلا وهم يعتقدون أن ما يقولونه وما يرونه الصواب . ومعنى ذلك أن الشبهة عندهم في احتواء القرآن على الأساطير شبهة قوية جارفة .
وفي سورة الأنفال يذهبون ويستمعون وبعد هذا وذاك يقولون
قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
« 2 » . ولا يكتفون في هذا الموطن بهذا القول وإنما يذهبون إلى أبعد من هذا في التحدي ويقولون
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 25 .
( 2 ) سورة الأنفال ، الآية 31 .
( 3 ) نفس السورة ، الآية 32 .