الثاني ما في القصة من توجيهات دينية نحو قواعد الدعوة الإسلامية ومبادئ الدين الحنيف .
والرازي يلحظ أن الأمر الأول وهو هيكل القصة أو جسم الحكاية هو الذي أدخل الشبهة على عقول المشركين حين ظنّوا أنه المقصود من القصص ومن أجل هذا ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من أن القرآن أساطير الأولين .
والرازي يقرّر أن المقصود أمور أخرى مغايرة لهذا الجسم من القصة .
وجاء في المنار من حديث عند تفسيره لقصة هاروت وماروت من سورة البقرة ما يلي « قال الأستاذ الإمام ما مثاله : بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ومن عاداتهم النافع والضار لأجل الموعظة والاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز مواطن الهداية ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح .
وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله
كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
« 1 » وكقوله
بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ
« 2 » وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية » « 3 » .
إذ الواضح أن الأستاذ الإمام يجيز أن يكون في التعبير القرآني قصصا وغير قصص أثر للأساطير إجراء للعبارات على تلك الظواهر الخرافية لأنه يحكي من عقائدهم الحق والباطل كما يجيز أن يكون القرآن قد أجرى أساليبه كما هو المعروف عند الأدباء فجعل الخرافات الوثنية أداة للتعبيرات البلاغية .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 275 .
( 2 ) سورة الكهف ، الآية 90 .
( 3 ) المنار ، ج 1 ، ص 399 .