تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
أقول هذا الأمر يسمى أمر التكوين ويقابله أمر التشريع وإنما سمّي بأمر التكوين للتعبير عنه في التنزيل بقوله تعالى
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » فهو تصوير لتعلّق إرادة الربوبية بالإيجاد . ولا أذكر عن أحد من المفسّرين المتبعين للأثر تصريحا بأن الأوامر في قصة آدم من أمر التكوين إلا للحافظ بن كثير فإنه ذهب في تفسير
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها
« 2 » من سورة الأعراف إلى أن الأمر فيه أمر قدري كوني . ومثله ما في معناه من قصة آدم ومن الآيات الأخرى من مخاطبة إبليس للرب وجوابها في شأن إغوائه للبشر وإنظاره إلى يوم القيامة . قال الأستاذ الإمام : « وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب هكذا . إن إخبار اللّه الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه لوجود نوع من المخلوقات يتصرّف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض . وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض . وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها . وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصّلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته . وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في تربية الكون بمعرفة سنن اللّه تعالى في ذلك . وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثال التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض . ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري . . . إلخ » . وهكذا نستطيع أن ننتهي من الحديث عن هذا اللون القصصي إلى القول بأن القصة التمثيلية أو الخيالية موجودة في القرآن الكريم باعتراف أئمة التفسير من القدماء
هامش
( 1 ) سورة يس ، الآية 82 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 13 .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 197 | محمد أحمد خلف الله