تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
كما فعلنا هناك . والأمر في ذلك واضح فالقدماء من المسلمين يجمعون على وجود القصة التاريخية في القرآن مهما يكن الرأي في طريقة تناولها ونحن متّفقون معهم كل الاتفاق على هذا القدر وغاية الأمر أنّا نقول إن عرض القصة التاريخية للأحداث والأشخاص إنما هو العرض الأدبي البلاغي أي الفني . وبعض القدماء من المفسّرين يقول بوجود القصة التمثيلية أو غير الواقعية وعلى حد قول بعضهم الفرضية . ومن كل ما تقدم صلح في اللونين السابقين أن نبدأ بعرض قصص انتهينا منه إلى المراد . أما هنا فلم يقل واحد من المفسّرين بوجود القصة الأسطورية في القرآن بل على العكس نرى منهم كما نرى من بعض المحدثين نفورا من لفظ الأسطورة ومن القول بأنها في القرآن ولو إلى حد ما . نعم نحن لا ننكر أن بعض المفسّرين من أصحاب اللمحات قد فتح الباب وأجاز القول بوجود القصة الأسطورية وأصّل لذلك أصولا مهمة لهذه الفكرة مثل تقريره أن هناك جسما للقصة أو هيكلا للحكاية وأن هناك أمورا أخرى . والجسم أو الهيكل غير مقصود أما المقصود حقا فهو ما في القصة من توجيهات دينية أو خلقية وهو ما ذهب إليه الأقدمون كالإمام الرازي وهو ما قرّره الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في صراحة ووضوح حين تحدّث عن التعبيرات البيانية وأنها قد تقوم على شيء من الخرافات الوثنية . وهذه هي أقوال هذين العالمين . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
« 1 » من سورة يونس ما يلي « الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها » « 2 » . فنحن نلحظ أن الرازي هنا يفرّق بين شيئين : الأول هيكل القصة أو جسم الحكاية .
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية 39 . ( 2 ) التفسير الكبير ، ج 4 ، ص 591 .