قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
« 1 » .
هذا كلّه على مستوى المانع من الرؤية ، وأمّا على مستوى المقتضى والشرط ، فهو الذي يشير إليه قوله تعالى :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
فِى كِتَابٍ مَكْنُونٍ
لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
« 2 » .
وهذه الآيات المباركة توضّح أنّ للقرآن الكريم موقعاً غير هذا الموقع المادّى الذي نشهده نحن ، موجود فيه قبل تنزّله على قلب رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأنّ من خصائص هذا الموقع الحفظ والصيانة عن كلّ تبديل وتغيير ونحوهما ، وأنّ تنزّله حصل بعد أن كان في موقع الصيانة والحفظ وهو ( الكتاب المكنون ) ، كما قال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ
« 3 » ، فهو موجود ومحفوظ ، قبل جعله عربياً قابلًا للقراءة ، في أُمّ الكتاب ، وإنّما جُعل
بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُبِينٍ
ليتمكّن الناس من تلقّيه وتعقّله .
فالقرآن الكريم كان في مرتبته الأولى وقبل تنزّله إلى العالم المادّى ، عالياً رفيع المنزلة ، لا تتمكّن العقول من نيله ، ومحكماً متقناً ، لا يتطرّق إليه الفساد والتلف ، غير مجزّأ إلى السور والآيات ، ولا إلى الحروف والكلمات ، بل كان كما قال سبحانه وتعالى عنه :
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 4 » .
هامش
( 1 ) سورة المطففين : 14 ، 15 .
( 2 ) سورة الواقعة : 80 77 .
( 3 ) سورة الزخرف : 3 ، 4 .
( 4 ) سورة هود : 1 .