كُنْ فَيَكُونُ ، وهذا القول كناية عن إفاضته تعالى الوجود على الشئ ، من غير حاجة إلى شئ آخر وراء ذاته المتعالية ، ومن غير تخلّف ولا مهلة .
وليس من المعقول أن يكون هذا القول لفظاً يتلفّظ به ذات الحقّ لإيجاد الأشياء ، وإلّا احتاج ذلك اللفظ إلى إيجاد كذلك ، وهذا الإيجاد محتاج إلى التلفّظ ب ( كن ) أيضاً . . . وهكذا يتسلسل لا إلى نهاية .
هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى لا يُعقل أيضاً وجود مخاطب ذي سمع لتلقّى هذا الأمر ، واستماع هذا الخطاب ليوجد به ، لأنّ الاستماع لابدّ أن يكون بعد الوجود لا قبله ، كما هو واضح .
فإذا اتّضح معنى الملك الحقيقي ، يتّضح أيضاً أنّ التفويض سواء كان بمعنى أنّ الله
سبحانه قد فوّض أمر العالم إلى عباده يفعلون ما يريدون ، كما يصوّر ذلك المفوّضة ، أو أنّ الله تعالى فوّض أمر هذا الكون تكويناً وتدبيراً وتشريعاً إلى الأئمّة عليهم السلام مثلًا ، كما يفعل ذلك بعض الملوك إذ يعتزلون عن تدبير مملكتهم ، ويفوّضون ذلك إلى أحد وزرائهم « 1 » ممتنع عقلًا ، لأنّ ملك الله سبحانه للأشياء غير قابل للنقل والانتقال ، ويشبهه بعض الشئ ملك الإنسان لقواه وأفعاله حيث إنّها لا تقبل النقل والانتقال والشركة وغيرها كما تقدّم ، فلابدّ لنا والحالة هذه من التصرّف في ظواهر تلك النصوص ، وحملها على ما ينسجم والبرهان العقلي والدليل النقلي .
وقد تبيّن ممّا تقدّم أنّ وجود الأشياء المادّية في نشأة الطبيعة لها جهة من الوجود ، وهى الجهة المادّية لها ، والتي تنتسب إلينا ، وهى زائلة ، فانية ، متغيّرة ، والزمان والحركة مصاحبان لها ، والمكان لا ينفكّ عنها .
هامش
( 1 ) ولعلّ هذا المعنى هو المتراءى بدواً من بعض النصوص الروائية والأدبيّة وغيرهما .