وإرادته شاء أن لا يستجيب لأوامر الله تعالى ، فشاءت إرادة الله تحقيق ما اختاره ذلك الإنسان .
ومن ثَمّ يتّضح لنا أنّ إرادة الله التكوينية ، التي لا تتخلّف عن المراد ، لا تتنافى مع اختيار الإنسان ، وإن كانت جميع أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى ، لكنّها مخلوقة وفق ما يريده الإنسان ويختاره ، وهذا هو مدلول الآيات المتقدّمة ، مثل قوله تعالى :
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً
. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
. . كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
« 1 » .
ونعود إلى قوله تعالى :
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
. . . لنجد الإرادة فيها مع كونها تكوينية لا تتخلّف عن المراد ، منسجمة تماماً مع الاختيار ولا تنافيه ، فهي تشير إلى علمه تعالى من الأزل بأنّ هؤلاء الصفوة لا يريدون سوى الطهارة من الرجس ، واستجابت إرادته سبحانه لإرادتهم بما يقتضيه وعده وما كتبه هو على نفسه سبحانه وتعالى .
وبناءً على هذه النظرية يكون مفاد الآية :
« أنّ الله عزّوجلّ لمّا علم أنّ إرادتهم تجرى دائماً على وفق ما شرّعه لهم من أحكام ، بحكم ما زُوّدوا به من إمكانات ذاتية ومواهب مكتسبة ، نتيجة تربيتهم على وفق مبادئ الإسلام ، تربيةً حوّلتهم في سلوكهم إلى إسلام متجسّد ، ثمّ بحكم ما كانت لديهم من القدرات على إعمال إرادتهم
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 20 18 .