وفق أحكامه التي استوعبوها علماً وخبرةً ، فقد صحّ له الإخبار عن ذاته المقدّسة بأنّه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلّا إذهاب الرجس عنهم ، لأنّه لا يفيض الوجود إلّا على هذا النوع من أفعالهم ، ما داموا هم لا يريدون لأنفسهم إلّا إذهاب الرجس والتطهير عنهم » « 1 » .
وبهذا يتّضح معنى الاصطفاء والاختيار من الله تعالى لبعض عبيده ، في حمل أعباء الرسالة ، وإعطائهم الإمكانات العالية ، من العلم
العاصم وغيره ، فإنّ جميع ذلك يرجع إلى إرادتهم واختيارهم ، ضمن الحكمة الإلهية في إعطاء كلّ مستعدّ بمقدار استعداده .
فقد علم الله تعالى من الأزل وقبل الخلق ما سيكون عليه هؤلاء البررة من الطاعة والطهارة ، وتمحّض إرادتهم فيما يريده الله تعالى ، فأعطاهم ما يتمكّنون به من توظيف إرادتهم في الطاعات والعبادات فحسب ، ولو منعهم ذلك ، كان خلفاً في وعده جلّ وعلا ، وبالعكس لو كان قد أعطى تلكم المواهب مَن علم منه عدم الالتزام بمدلولها ، لكان ذلك عبثاً منه ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
وهذا المعنى هو مدلول الكتاب العزيز في أكثر من مورد ، منه قوله تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
« 2 » .
ومن الواضح أنّ إسماع مَن عُلِم منه عدم الانتفاع به وأنّه يتولّى عنه لغو
هامش
( 1 ) الأصول العامّة للفقه المقارن ، مصدر سابق ، ص 151 .
( 2 ) سورة الأنفال : 22 ، 23 .