تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العصمة بحث تحليلي في ضوء المنهج القرآنى — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
اقتضاء الحكمة الإلهية تمكين الإنسان ممّا يريد فعله سواءً الخير من ذلك أم الشرّ ، ولولا ذلك لما تمكّن الإنسان من تحكيم إرادته ، بل يقع في الجبر الذي تقدّم عدم معقوليته ، كما أنّ التفويض المطلق خروج عن ملك الله . قال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى « 1 » . وبقليل من التأمّل في هذه الآيات المباركة تتّضح لنا الحقيقة المتقدّمة ، فإنّ التيسير لليسرى أو للعسرى من فعل الله تعالى ، لكنّه من توابع التصديق بالحسنى أو التكذيب بها ، وكلاهما باختيار الإنسان وإرادته . وقال تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً « 2 » . هذه الآيات المباركة أيضاً واضحة الدلالة في أنّ الإرادة الأولى إنّما هي للإنسان ، ثمّ تتبعها المشيئة الإلهية ، فمَن يريد العاجلة يريد الله تعالى له ذلك ، كما أنّ المريد للآخرة والساعي لها يعطيه الله تعالى ما يريد ، وكلّ واحد منهما يستمدّ من عطاء الله تعالى ، ( وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) أي ممنوعاً ومقطوعاً . قال الفخر الرازي تعقيباً على هذه الآية المباركة : « لأنّ عطاءنا ليس يضيق عن أحد مؤمناً كان أو كافراً ، لأنّ
هامش
( 1 ) سورة الليل : 10 5 . ( 2 ) سورة الإسراء : 20 18 .