بل غير منطقية أيضاً .
لكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام أنّ هذا الاختيار لا يعنى التفويض المطلق للإنسان ، فليس لإرادته أن تصطدم مع الإرادة الإلهية ، وقد تقدّم أنّ من مقتضيات الملك الحقيقي ، الذي هو لله تعالى وحده ، عدم إمكان التصرّف في ملكه من دون إذنه ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى .
ومن أجل التوفيق بين هاتين الإرادتين إرادة الله تعالى ، وإرادة الإنسان ، ظهرت النظرية المعروفة في منهج مدرسة أهل البيت عليهم
السلام « لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين » « 1 » ، وهذا ما سيتّضح من خلال المقدّمة التالية ، إن شاء الله تعالى .
المقدّمة الثالثة : التبعية في الإرادة
إنّ الحكمة الإلهية كما اقتضت إعطاء الإنسان الحرية الكاملة ، والاختيار التامّ في أفعاله ، ليصحّ تكليفه وثوابه وعقابه ، كذلك اقتضت متابعة إرادته ، وإمداده بالأدوات اللازمة في تحقيق ما يريده . فإذا ما شاء الإنسان أن يفعل فعلًا ، شاءت الإرادة الإلهية إمداده بالامكانات المطلوبة لتحقّق ذلك الفعل ، فإن شاء السير في طريق الخير والسعادة ، كانت المشيئة الإلهية متّفقة مع الإرادة الإنسانية تلك ، وبالعكس ما لو شاء اتّباع ما تمليه عليه شهواته وغرائزه ، فإنّ الإرادة الإلهية لا تخالفه في ذلك .
وهذا يوضّح لنا معنى المقولة المعروفة بأنّ إرادة الله تعالى تابعة لإرادة الإنسان ، وأنّ الثانية هي المتبوعة ، فلا تعنى هذه التبعية سوى ما تقدّم من
هامش
( 1 ) بحار الأنوار مصدر سابق ، ج 5 ، ص 2 .