فقال : إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزننى ، وأسهر ليلى ، وأظمأ هواجرى ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتّى كأنّى أنظر إلى عرش ربّى وقد نصب للحساب ، وحشر الخلائق لذلك ، وأنا فيهم ، وكأنّى أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ، ويتعارفون ، وعلى الأرائك متّكئون ، وكأنّى أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأنّى الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعى .
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله لأصحابه :
« هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان
» . ثمّ قال له : «
الزم ما أنت عليه
. . . » ) « 1 » .
فإذا كان هذا حال المتّقين فما ظنّك بالأنبياء وأئمّة الهدى عليهم السلام ؟ ! وهم الذين رسموا للموقنين كلّ ذلك ، ووضعوهم على الطريق اللاحب ، والمحجّة البيضاء .
وقد تقدّم الحديث مفصّلًا عن اليقين الحضوري ، واختلافه عن اليقين البرهاني ، وأنّ الأوّل منهما هو الذي يحصل بحضور الحقيقة لدى النفس ، وهو المشار إليه بقوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ . لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
« 2 » .
وتقدّم أيضاً أنّ السبب الرئيسي للتحلّى بهذا النوع من اليقين هو رؤية الملكوت ، هذه الرؤية التي حظى بها الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ، كما تحدّثنا مفصّلًا عن الوسائل اللازمة لهذه المشاهدة الملكوتية .
هامش
( 1 ) الكافي ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 53 .
( 2 ) سورة التكاثر : 5 ، 6 .