وتسعى نحو ما يتجانس وذلك المعلوم ، كما نلمس ذلك في أنفسنا أيضاً . فبمجرّد حصول الحبّ مثلًا تظهر آثاره مباشرة ، من الانجذاب النفسي ونحوه ، ومثله في ذلك الخوف والألم ، فلا يوجد أحدهما إلّا وتوجد آثاره مباشرة في الإنسان ، من الانكماش والقلق النفسي وما إلى ذلك .
وبهذا يتّضح الفرق المهمّ بين العلمين الحصولي والحضوري ، إذ ربما تغفل النفس عن الأوّل منهما ، ويغيب عنها ، فلا يظهر له أىّ أثر
في الحياة العملية بخلاف الثاني ، فلتمكّنه من النفس واتّحاده معها تظهر آثاره العملية في لحظة وجوده ، ويؤثّر أثره المطلوب في النفس .
لكن الملاحظة الجديرة بالالتفات هي : أنّ العلوم الحضورية ليست جميعها بدرجة واحدة من الجلاء والوضوح ، وليست متساوية من حيث الشدّة والضعف .
« وإنّما يتمتّع العلم الحضورىّ أحياناً بقوّة وشدّة كافية تجعله يتمّ بصورة واعية ، ولكنّه يحصل أحياناً أُخرى بصورة ضعيفة وباهتة ، فيظهر بصورة نصف واعية ، وحتّى أنّه يتمّ أحياناً بصورة غير واعية » « 1 » .
ومن ذلك ضعف الالتفات إلى المعلوم فإنّه يوجب ضعف إدراك النفس به . فالذي يعاني من شدّة آلامه ، إذا توجّه نحو شئ آخر ، ووجّه إليه التفاتة لا يدرك شدّة الآلام حينئذ . ومن الواضح أنّ الذي خفّ وضعف هو التفات النفس وتوجّهها ، لا الألم نفسه .
هامش
( 1 ) المنهج الجديد في تعليم الفلسفة ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 179 178 .