تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العصمة بحث تحليلي في ضوء المنهج القرآنى — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
عدم إمكان صدور الفعل من دون علم . وهذا ما نشهده في أنفسنا وفى غيرنا . فلا أوضح من الموت ، الذي لم تختلف البشرية على اختلاف مذاهبها واتّجاهاتها ودياناتها في حتميّته ولابدّيته ، وفى الوقت ذاته تراهم يتهالكون ويتهافتون في جمع المال مثلًا مع أنّ الكلّ يعلم بعدم دوام ذلك ، ويعلم حتميّة الموت والفناء . كما أنّ المؤمنين بشريعة السماء وبمبادئها وتعاليمها يخالفونها أحياناً إلى ما تملى عليهم شهواتهم ، مع كامل إيمانهم بالشريعة وما نطقت به من تحذير ووعيد للخارجين عنها ، وما وعدت به من موعد محتوم للجميع ؛ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى « 1 » . فما هو السرّ في عدم تطابق العلم والعمل ؟ الجواب : إنّ السرّ في ذلك يكمن في العلم أيضاً ، لكنّه هنا يرجع إلى نوعية العلم الذي عند الإنسان ؛ فقد تقدّم أنّ الإدراكات والعلوم الحصولية ما هي إلّا صور ومفاهيم عقلية للحقائق ، وما أسرع أن تغيب الصورة عن النفس ، وينمحى المفهوم منها ، وتغفل النفس عن جميع ذلك ، فينتج عدم التوافق بين العلم والعمل ، فتراه يخالف فعله جميع معتقداته ، وما ذلك إلّا من غفلة الضمير ، وغياب الصورة العلمية عن النفس . وهذا بخلاف ما لو كان العلم شأناً من شؤون النفس ، مرتبطاً بها متضامناً معها ، كما في العلوم الحضورية ، فلا يعقل غيابه عنها حالة وجوده فيها ، أو غفلتها عنه حينئذ ، بل بمجرّد وجوده تفزع النفس إلى آثاره ،
هامش
( 1 ) سورة النجم : 31 .