والمسموعات بقوّة السمع دون غيرها ، كما أنّ إدراك المفاهيم العقلية يتمّ بواسطة القوّة العقلية وهكذا جميع المعلومات الحصولية .
أمّا الإدراكات الحضورية ، فحيث كان حضورها عند النفس بوجوداتها العينية ، لا بواسطة قوّة من القوى ، فلا يعقل اختصاصها بجانب دون آخر ، ولا يمكن أن يدركها جانب واحد من النفس دون آخر ، فالنفس بأجمعها وتمام قواها تدرك المعلوم والمدرَك الحضوري .
أضف إلى ذلك تجرّد النفس ، وعدم قابليّتها للانقسام ، كما ثبت في بحوث الفلسفة الإسلامية فهي ليست مادّية ، ولا جسماً ، كما أنّها عديمة الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق ، وحينئذ تتّضح كيف يهجم المعلوم وهو مجرّد أيضاً على جميع كيان النفس ، ولا يختصّ به جانب دون آخر ، فتدركه النفس بتمام قواها ، ويصبح شأناً من شؤون وجودها .
يشبه ذلك ما لو وضعنا مصباحاً مضيئاً أمام مصباح مضىء آخر ، فإنّ الضوء المنبعث من أحد المصباحين يمتزج ويتخلّل جميع أجزاء الضوء في المصباح الآخر . وأيضاً لو وجّهنا زجاجة أمام نور الشمس ، فإنّا نلاحظ أنّ النور قد تخلّل الزجاجة ، ونفذ من جميع جوانبها على السواء .
3 حتمية الأثر في العلم الحضوري
أوضحنا فيما سبق أنّ المنشأ المهمّ لصدور الأفعال من أىّ فاعل مختار هو « العلم » ، ولولاه لما أمكن صدور أىّ فعل منه . لكن هذا لا يعنى التلازم المطلق بين العلم والعمل ، أي أنّ القضية لا تنعكس إلى : ( كلّ عالم بشئ لابدّ أن يفعل بما يطابق علمه ) ، بل غاية التلازم بين الفعل والعلم هو