ذلك العلم الذي قال تعالى فيه :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
« 1 » .
فمثل هذا العلم يخلق من صاحبه إنساناً مثالياً ، لا يخالف قول ربّه قيد أنملة ، ولا يتعدّى الحدود التي رسمها له في حياته قدر شعرة ، ولن تنتفى المعصية في حياته فحسب ، بل إنّ مجرّد التفكير فيها لن يجد له سبيله إليه » « 2 » .
هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى فإنّ استشعار عظمة الخالق ، والتفانى في معرفته ، والعلم اليقيني بمقام الربوبية والألوهية المتعالية ، وبمقام العبد والعبودية المحضة الخالصة لله تعالى ، كلّ ذلك مانع من ارتكاب كلّ قبيح ، ودافع أكيد نحو الطاعة الخالصة والعبادة التي لا يشوبها خوف ولا رجاء ، بل كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : « وجدتُك أهلًا للعبادة فعبدتُك » .
وقد تقدّم الكلام في « اليقين » وخصائصه وآثاره في سلوك الإنسان ، وما يخلفه من عصمة من الذنوب والمعاصي ، بل ومن الخطأ والنسيان ، وتقدّم أنّ هذا اليقين هو الحاصل من حضور الحقائق بنفسها عند المتيقّن ، وليس هو نتيجة للمقدّمات العقلية والبراهين المنطقية ، وسيأتي مزيد توضيح لهذا العلم العاصم من الذنوب .
بهذا اتّضح لنا أنّ السبب أو المنشأ الرئيسي للعصمة هو العلم ، فكما أنّ الفرد منّا قد عصمه علمه عن تناول السمّ ، وعن المشي عارياً بين الناس ،
هامش
( 1 ) سورة التكاثر : 6 5 .
( 2 ) الإلهيات ، الشيخ جعفر السبحاني ، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي ، ط 2 ، 1411 ه ، ج 2 ، ص 105 .