ويزيل كلّ عقبة أمام أهدافه وما يطلبه ، فطالب الحياة والبقاء والسلامة يبتعد عن كلّ ما يتنافى وصحّته وسلامته . فهو لا يعرّض نفسه للبرد مثلًا لعلمه بما يسبّبه له من مرض ، ولا يلقى بنفسه من شاهق حيث يعلم بما يؤدّى إليه الفعل من الموت ، أو تلف بعض الأعضاء ، وفى الوقت ذاته يستسلم لأقسى علاج من مرض ألمّ به ، بعد علمه بأنّه الوسيلة إلى عافيته وصحّته وسلامته المنشودة .
ورحم الله المتنبّى إذ يقول :
أرى كلّنا يبغى الحياة لنفسه
t
حريصاً عليها مستهاماً بها صبّا
فحبّ الجبان النفس أورده البقا
t
وحبّ الشجاع النفس أورده الحربا
ومنه يتّضح أنّ هذا العلم الذي يدفع الإنسان إلى المخاطر تارة ، ويجنّبه الهلكات أُخرى ، ليس له أىّ تأثير على طبيعة الإرادة الإنسانية ، فهو لم يترك ما ترك إلّا بمحض إرادته ، ولم يفعل ما يفعله إلّا بعزمه واختياره .
فالعلم اليقنيى بكون « السمّ » قاتلًا ، هو الذي أوجب امتناع الإنسان عن تناوله بمحض إرادته وكامل اختياره ، وكان تناوله مستحيلًا وقوعاً بالنسبة إلى هذا الإنسان العالِم به .
ومن هذا نعرف أنّه لا تنافى بين الحتمية والاختيار . فعدم صدور الفعل من الإنسان مع أنّه حتمي لا يتخلّف ، لا ينافي كونه مختاراً فيه . فالعالم بأنّ السمّ قاتل يستحيل عليه وقوعاً تناوله حال علمه وعدم غفلته وطلبه للحياة والبقاء ، مع أنّه مختار في تناوله .
وبعبارة أخرى : إنّ عدم تناول السمّ بالنسبة إلى مثل هذا الشخص حتمىّ ، مع أنّه مختار لا قوّة تمنعه عنه إلّا قوّة إرادته ، إذاً فالحتمية لا تنافى