والعقاب تارة ، وطمعاً في الثواب ، وعلوّ الدرجات في النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال تارة أُخرى ، وعرفاناً بمقام الربوبية والألوهية ومقام العبودية والفقر تارة ثالثة .
فمن اختلاف هذه الصورة ، واختلاف العلم الذي هو المنشأ للعمل تختلف دوافع العمل العبادي ، وهذا ما نلحظه في كثير من الناس حين تأديته للواجبات العبادية حيث تكون في الأغلب على النحو الأوّل أعنى الخوف من العذاب والعقاب لكنّه في الوقت ذاته يتصدّق على الفقراء مثلًا ، أو يمارس عملًا مندوباً آخر طلباً لمزيد الثواب ورجاءً لعلوّ
المنزلة عند الله تعالى ، وهو ما يشاهده كلّ منّا في نفسه أيضاً ومن خلال أعماله .
وإلى مراتب العبادة هذه يشير قول الله تعالى :
وَفِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
« 1 » .
ومنه أيضاً قول أمير المؤمنين عليه السلام :
« لم أعبده خوفاً ولا طمعاً
، لكنّى وجدته أهلًا للعبادة فعبدته
» « 2 » .
ممّا تقدّم يتّضح معنى أنّ العصمة سببها « علم مانع من الضلال » ، فهو :
« العلم القطعي بالعواقب الأخروية للمعاصي ورذائل الأفعال ، علماً لا يداخله ريب ولا يعتريه شكّ ، علماً تسقط دونه الحجب فيرى صاحبُه رأى العين ، ويلمس لمس الحسّ تبعات المعاصي ولوازمها وآثارها في النشأة الأخرى .
هامش
( 1 ) سورة الحديد : 20 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة ، مصدر سابق ، ج 10 ، ص 15 .