وذلك لأنّ الله تعالى خلق الموجودات ولها استعدادات وقابليات ، يُتوصّل من خلالها إلى القرب الإلهى والرقىّ في مدارج الكمال .
وفى الوقت ذاته لم تكن تلك القابليات والاستعدادات كلّها بمرتبة واحدة ، ولا بدرجة واحدة ، بل إنّ من شؤون النظام الأحسن الذي اختاره الله تعالى لعباده هو اختلاف وتفاوت تلك الدرجات والاستعدادات سعة وضيقاً ، وشدّة وضعفاً .
وعندما بدأ الإنسان حياته ومسيرته التكاملية اختار هو لنفسه المرتبة التي يريدها في الصعود إلى الله سبحانه ، واختار الدرجة التي يريدها من الاستعداد في الرقىّ في المدارج المعنوية .
ومن هنا اختلفت مراتب الناس واستعداداتهم باختلاف ما وقع عليه اختيارهم من المراتب المتفاوتة ، كما قال تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا
« 1 » .
قال الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية المباركة :
« أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماءً وهو القرآن . والأودية قلوب العباد . وشبّه القلوب بالأودية ، لأنّ القلوب تستقرّ فيها أنوار علوم القرآن ، كما أنّ الأودية تستقرّ فيها المياه النازلة من السماء ، وكما أنّ كلّ واحد إنّما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه ، فكذا هنا كلّ قلب إنّما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه ، وقوّة فهمه وقصور
هامش
( 1 ) سورة الرعد : 17 .