ترى عدم التلازم بين المعصية والعقاب ، وعليه فلا استحقاق ذاتي لا للمطيع ولا للعاصي ، فكما لا يقبح الثواب على ما لا يكون بالاختيار ، كذلك لا يقبح العقاب على غير المقدور ، وهو ما لا يلتزم به صاحب المقال نفسه .
الاتّجاه الثاني : وهو المنسوب إلى المعتزلة ، في نظريتهم المعروفة ب « نظرية الحسن والقبح العقليَّين » . فالعقل عندهم هو الذي يحكم على ما ينبغي أن يقع ، وما لا ينبغي أن يقع ، ومنه الثواب والطاعة ، والعقاب والمعصية . فالعقل يحكم بأنّ المطيع ينبغي أن يثاب ، والعاصي ينبغىأن يعاقب ، فلو لم يُثِب الله تعالى المطيعين أو عاقبهم فهو ظالم لهم ، والظلم قبيح عليه تعالى .
وهذا الرأي بغضّ النظر عن قبوله أو رفضه يثبت الاستحقاق لكلّ من المطيع والعاصي . فكما أنّ العقاب على غير المقدور قبيح في نظر المعتزلة فكذلك الثواب على ما لا يكون بالاختيار قبيح . فلا فرق بين الثواب والعقاب في استحقاقه لأهله ، ولا يثبت أىّ واحد منهما لأحد إلّا بالاستحقاق ، وهو العمل المؤدّى إلى ذلك .
الاتّجاه الثالث : وهذا الاتّجاه مع إيمانه بأنّ إيجاد الموجودات بأجمعها وكذا آثارها المنبعثة منها ، سواء كانت دنيوية أم أخروية كله بالتفضّل الإلهى ، يفترض بالرغم من كلّ ذلك أنّ هذا التفضّل لم يكن جزافاً ومن دون قانون ، بل هو ضمن قانون وسنّة إلهية ، لا تختلف ولا تتخلّف :
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة فاطر : 43 .