يكون القدوة للأمّة من لا قدرة له على أفعاله ، وهو مسلوب الاختيار فيها .
ثالثاً : إنّ مسألة الثواب والعقاب كما تصوّرها هذه النظرية ، تعنى عدم التلازم بين الطاعة والثواب ، وإنّما تجعل التلازم بين المعصية والعقاب . وهذا يتجافى مع جميع النظريات المطروحة في مسألة الثواب والعقاب ؛ إذ الاتّجاهات في هذه المسألة ثلاثة :
الاتّجاه الأوّل : وهو المنسوب إلى الأشاعرة ، في النظرية المعروفة ب « نظرية الإرادة الجزافية » ، وهو ما استفادوه من قوله تعالى :
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
« 1 » .
وهذه النظرية تفرض عدم التلازم بين الأسباب والمسبّبات وبين العلل والمعلولات جميعاً . فالنار ليست هي المحرقة ، بل إرادة الله تعالى هي المحرقة ، والماء لا يروى من العطش ، بل إرادة الله تعالى هي التي
تروى منه . فلا تلازم عندهم بين الأشياء أبداً ، ومنه عدم التلازم بين المعصية والعقاب ، وبين الطاعة والثواب ، فإنّ لله تعالى أن يُدخل أنبياءه ورسله النار ، ويُدخل الجاحدين به والمشركين الجنّة ، لأنّه لا ملازمة ولا سببية ولا ارتباط بين الطاعة والثواب ، ولا بين المعصية والعقاب ، كما يحاولون فهم ذلك من قوله تعالى :
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
. هذه هي نظرية « الإرادة الجزافية » المنسوبة إلى الأشاعرة .
أمّا قبول هذا الرأي وعدم قبوله فله بحث آخر لسنا بصدده ، لكنّا بمقدار ما يرتبط بالاحتمال المطروح في المقال المتقدّم نجد هذه النظرية غير متّسقة معه ، فهي كما تدّعى عدم الملازمة بين الطاعة والثواب ، كذلك
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 23 .