وهكذا يتّضح أنّ وجوب شئ أو امتناعه وقوعاً لا يتنافى مع القدرة عليه وإمكان وقوعه الخارجي ، لأنّ هذا الوجوب أو الامتناع إنّما هو بلحاظ الوقوع لا بلحاظ ذات الشئ ، وإذا كان كذلك فلتكن العصمة من هذا القبيل ، أعنى من الممتنع وقوعاً لا من الممتنع ذاتاً . فالمعصوم مع قدرته على المعصية وتمكّنه منها ، لكنّها ممتنعة الصدور منه وقوعاً .
وأمّا القول : بأنّ الله تعالى مستثنى من هذه القواعد .
فجوابه : امتناع التخصيص في أحكام العقل وقواعده ، كما هو واضح .
نعم ، يقع التساؤل هنا عن الوسائل التي تمنع المعصوم من ارتكاب المعصية ، على نحو الضرورة الوقوعية ؟
وهذا ما سيأتي تقصيله في الأبحاث الآتية إن شاء الله تعالى ، فثمّ يتّضح أنّ هذا النوع من الامتناع الوقوعي موجود عندكلّ واحد منّا بالنسبة إلى بعض الأعمال . فالعالم بنتائج السمّ مثلا ، لا ينقدح في نفسه استعماله للشرب ما دام طالباً للحياة والسلامة .
هذا بالنسبة إلى الأمر الأوّل الذي تضمّنه المقال ، وهو المانع العقلي من اختيارية العصمة .
أمّا الأمر الثاني ، وهو الالتزام بكونهم عليهم السلام مجبرين على الطاعة ، غير متمكّنين من المعصية ، وأنّه لا مشكلة فيه سوى مسألة الثواب ، وحيث أنّه تفضّلى على كلّ حال ، فلا مشكلة في الجبر . . .
فإنّ هذه النظرية تواجهها مشاكل أُخرى ، عدا مسألة الثواب والعقاب .
أوّلًا : الدليل على صحّتها ، فإنّ مجرّد الاحتمال وعدم المانع لا يثبت النظرية ، بل لابدّ في إثباتها من الدليل القطعي من القرآن الكريم ، أو السنّة
العصمة بحث تحليلي في ضوء المنهج القرآنى — صفحة 106
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٦