وفى قوله تعالى : وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ من
التأكيد في إثبات التوحيد ما ليس في غيره ، حيث سيق الكلام بنحو النفي والاستثناء ، ثمّ أُدخل « من » على النفي لإفادة تأكيد الاستغراق ، ثمّ جئ بالمستثنى وهو قوله إِلهٌ وَاحِدٌ بالتنكير المفيد للتنويع ، ولو أُورد معرفة كقولنا « إلّا الإله الواحد » لم يفد ما يرام من حقيقة التوحيد . فالمعنى : ليس في الوجود شئ من جنس الإله أصلًا إلّا إله واحد ، نوعاً من الوحدة لا يقبل التعدّد أصلًا ، لا تعدّد الذات ولا تعدّد الصفات ، لا خارجاً ولا فرضاً .
ولو قيل : « وما من إله إلّا الله الواحد » ، لم يندفع به قول النصارى : إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فإنّهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى ، وإنّما يقولون : إنّه ذات واحدة لها تعيّن بصفاتها الثلاث ، وهى واحدة في عين أنّها كثيرة عدداً حقيقة ، والجمع بين الوحدة
العدديّة والكثرة العدديّة بحسب الحقيقة ممّا يستنكف العقل عن تعقّله .
ولا يندفع ما احتملوه من المعنى إلّا بإثبات وحدة لا تتألّف منه كثرة أصلًا ، وهو الذي يتوخّاه القرآن الكريم من قوله : وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ وَاحِدٌ .
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 16
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦