فهذا كلّه ممّا لا شكّ فيه ، وقد قرّر القرآن هذا الاختلاف في موارد من آياته الكريمة ، كقوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ ( الزمر : 9 ) ، وقوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ( النجم : 30 ) ، وقوله تعالى : فَمَا لِهؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( النساء : 78 ) .
ومن أظهر مصاديق هذا الاختلاف الفهمي اختلاف أفهام الناس في تلقّى
معنى توحّده تعالى لما في أفهامهم من الاختلاف العظيم والنوسان الوسيع في تقرير مسألة وجوده تعالى ، على ما بينهم من الاتّفاق في ما تعطيه الفطرة الإنسانيّة بإلهامها الخفىّ وإشارتها الدقيقة .
فقد بلغ فهم آحاد من الإنسان في ذلك أن جعل الأوثان المتّخذة والأصنام المصنوعة من الخشب والحجارة حتّى من نحو الأقط والطينة المعمولة من أبوال الغنم شركاء لله وقرناء له ، تُعبد كما يُعبد وتُسأل كما يُسأل ويُخضع لها كما يُخضع له ، ولم يلبث هذا الإنسان دون أن غلّب هذه الأصنام عليه تعالى بزعمه ، وأقبل عليها وتركه ، وأمّرها على حوائجه وعزله .
فهذا الإنسان قصارى ما يراه من الوجود له تعالى هو مثل ما يراه لآلهته التي خلقها بيده ، أو خلقها
إنسان مثله بيده ، ولذلك كانوا
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 13
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣