أنّ إثبات البداء هو إثبات للقدرة الإلهيّة المطلقة ، ومن ثمّ فإنّ القوانين والسنن والقضاء الذي قضاه ، تشريعيّاً كان أم تكوينيّاً ، ليست حاكمة عليه سبحانه لأنّه عزّ اسمه ليس سبباً في عرض الأسباب ، وعلّة في صفّ العلل المادّية والقوى الفعّالة في الطبيعة ، بل هو الذي أحاط بكلّ شئ ، وخلق كلّ شئ بسبب ، فساقَهُ وقادهُ إلى مسبّبه ، وأعطى كلّ شئ خلقه ثمّ هدى ، ولا يحيط بخلقه ومسبّبه غيره .
وكيف يعقل أن يكون فعله تعالى يجبره على مؤدّى نفسه ويغلبه في ذاته ، وهو سبحانه القاهر الغالب ، فكيف يغلبه
ما ينتهى إليه من كلّ جهة ويفتقر إليه في عينه وأثره . فمن المحال أن تكون الحقائق التي إنّما وجدت أحكامها وآثارها به تعالى ، حاكمة عليه مقتضية فيه بالحكم والاقتضاء اللّذين هو المبقى لهما القاهر الغالب عليهما .
2 . الأثر التربوبى للإيمان بالبداء
لو هيمن على الإنسان نمط من الاعتقاد يفيد بأنّ ما جرى به قلم التقدير أمرٌ لا مردَّ له ، وهو كائن لا محالة دون استثناء ، لسقط الإنسان في هوّة اليأس وضُربت عليه حالة من الإحباط والقنوط ، فعلامَ يلجأ إلى الدّعاء والأمر قد فُرغ منه ؟
لا ريب أنّ الإيمان بالبداء يفتح أمام الإنسان نافذة أمل بإمكان التحكّم بالمصير عبر العمل الإرادى ، ويضىء أمامه مجرى الحياة