تأسيساً على ذلك كان هناك منحىً في العقيدة والفكر يذهب إلى تضييق القدرة الإلهيّة المطلقة في المجالين معاً ، وقد نسب القرآن الكريم هذا الضرب من الفكر إلى اليهود ، حيث إنّهم آمنوا بعدم جواز النسخ في الأحكام الدينيّة ، ولذا لم يقبلوا بنسخ التوراة ، بدعوى أنّ الآية إذا كانت من عند الله تعالى ، كانت حافظة لمصلحة من المصالح الحقيقيّة ، لا يحفظها شئ دونها ، فلو زالت الآية مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ فاتت المصلحة ولن يقوم مقامها شئ يحفظ به تلك المصلحة ، ويستدرك به ما فات منها من فائدة الخلقة ومصلحة العباد .
وليس شأنه تعالى كشأن عباده ولا علمه كعلمهم ، بحيث يتغيّر بتغيّر العوامل الخارجيّة ، فيتعلّق يوماً علمه بمصلحة فيحكم بحكم ، ثمّ يتغيّر علمه غداً ويتعلّق بمصلحة أخرى فاتت عنه بالأمس فيتغيّر الحكم ، ويقضى ببطلان ما حكم سابقاً ، وإتيان آخر لاحقاً ، فيشرع كلّ يوم حكم وشريعة ، ويظهر لون بعد لون ، كما هو شأن غير المحيطين بجهات الصلاح في الأشياء ، فكانت أحكامهم تتغيّر بتغيّر العلوم بالمصالح والمفاسد ، زيادةً ونقيصة وحدوثاً وبقاءً .
وكذلك آمنوا بعدم إمكان البداء في الأمور التكوينيّة بدعوى : أنّ القدرة وإن كانت مطلقة إلّا أنّ تحقّق الإيجاد وفعليّة الوجود يستحيل معه التغيّر ، فإنّ الشئ لا يتغيّر عمّا وقع عليه بالضرورة ،
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 80
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٨٠