لا تعيّن له في
نفسه ولا مؤثّر في تعيّنه من خارج ، كما ربما يتوهّم أرباب العقول البسيطة أنّ الذي له مِلك بكسر الميم مطلق وسلطنة مطلقة ، له أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد من دون رعاية أىّ قيد أو شرط وسلوك أىّ نظام في عمله كما فهم البعض من قوله : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ( الأنبياء : 23 ) ، وعليه فلا صورة ثابتة لشئ من أفعاله وقضاياه عنده . ومن الواضح أنّ ذلك ينافي ما قاله في كتابه : مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ ( ق : 29 ) وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( الرعد : 8 ) إلى غير ذلك من الآيات .
فيدفع هذا الالتباس بقوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ أي أصله ، فإنّ الأمّ كما تقدّم هي الأصل الذي ينشأ منه الشئ ويرجع إليه ، أي الأمر الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تمحى وتثبت بحسب الأوقات والآجال . ولو كان
هذا الأصل هو نفسه يقبل المحو والإثبات ، لكان مثلها لا أصلًا لها ، ولو لم يكن من أصله كان المحو والإثبات في أفعاله تعالى :
إمّا تابعاً لأمور خارجة تستوجب ذلك ، فكان تعالى مقهوراً مغلوباً للعوامل والأسباب الخارجيّة مثلنا ، وهو منافٍ لقوله سبحانه : وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ( الرعد : 41 ) .
وإمّا غير تابع لشئ أصلًا ، وهو الجزاف الذي يختلّ به نظام الخلقة والتدبير العامّ الواحد بربط الأشياء بعضها ببعض جلّت عنه
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 64
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٦٤