ثمّ قال : وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ
العزوب الغيبة والتباعد والخفاء ، وفيه إشارة إلى حضور الأشياء عنده تعالى من غير غيبة ، وحفظه لها في كتاب من غير زوال .
وقال تعالى : وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلّق به علم غيره ممّا قد يحضر بعضه عند بعض وقد يغيب بعضه عن بعض ، وإنّما قدّم البرّ لأنّه أعرف عند المخاطبين من الناس . وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا اختصّ بالذكر لأنّه ممّا يستصعب الإنسان حصول العلم به ، لأنّ الكثرة البالغة التي في أوراق الأشجار تُعجز الإنسان أن يميّز معها بعضها من بعض ، فيراقب كلًّا منها في ما يطرأ عليه من الأحوال ، ويتنبّه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط . وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ المراد بظلمات الأرض بطونها المظلمة التي تستقرّ فيها تلك الحبّات فينمو منها
ما ينمو ويفسد ما يفسد ، فالمعنى : ولا تسقط من حبّة في بطون الأرض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا يابس أيّاً ما كانا ، إلّا يعلمها . وعلى هذا فقوله : إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ بدل من قوله إِلَّا يَعْلَمُهَا سدّ مسدّه ، وتقديره إلّا هو واقع مكتوب في كتاب مبين .
ووصف الكتاب بالمبين ، إن كان بمعنى المظهر إنّما هو لكونه يُظهر لقارئه كلّ شئ على حقيقة ما هو عليه من غير أن يطرأ عليه
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 41
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤١