تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطب من الكتاب والسنة — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الأولى : أمر إلهي ، حيث كانت عبادة . والثانية : أمر نفسي ، وذلك أن النفس تلهي عن الألم بالصلاة ، ويقل إحساسها به ، فتستظهر القوة على الألم فتدفعه ، والماهر من الأطباء يعمل كل حيلة في تقوية القوة ، فتارة يقويها بالتغذية ، وتارة بتحريك السرور والفرح ، وتارة بالرجاء ، وتارة بالحياء ، وتارة بالخوف ، والصلاة قد تجمع أكثر ذلك لما يحصل للعبد فيها من الخشية والخوف والرجاء والحياء والحب وتذكر الآخرة ، مما يقوى قوته ويشرح صدره فيندفع بذلك مرضه . ويروى عن بعض ولد علي كرم اللّه وجهه أنه كان به خرّاج فلم يمكنهم قطعه ، فأمهله أهله حتى دخل في الصلاة ، ثم تمكّنوا منه فلم يكترث لاستغراقه في الصلاة . وكان أبو أيوب يأمر أهله إذا كان في البيت بالسكوت ، فإذا قام إلى الصلاة أمرهم بالكلام ، وكان يقول : إني لا أسمع كلامكم وأنا في الصلاة . وانهدم حائط المسجد وهو في الصلاة فلم يلتفت . والثالثة : في الصلاة أيضا أمر طبيعي : رياضة النفس ورياضة الجسد ؛ لأنها جامعة بين قيام وركوع وسجود واستكانة وإخلاص وعبادة وخضوع وذلة وغير ذلك التي يتحرك معها مفاصل البدن ، وتلين بها أكثر الأعضاء لا سيما المعدة والأمعاء ، وما أقوى معاونتها على دفع الأخبثين وحدر الطعام عن المعدة . قال الموقف عبد اللطيف في كتاب الأربعين : وقد رأيت جماعة من أرباب العطلة والترف محفوظي الصحة فبحثت عن سبب ذلك فألفيتهم كثيري الصلاة والتهجد . . إلى أن قال : وما أنفع السجود لصاحب النزلة والزكام ، وما أشد إعانة السجود على فتح سدة المنخرين ، وما أقوى معاونة السجود على تعفّن الأخبثين وحدر الطعام عن المعدة والأمعاء ولتحريك الفضول المحتقنة فيها وإخراجها إذ عنده تنحصر أوعية الغذاء بازدحامها وتساقط بعضها على بعض ، وكثيرا ما تسر النفس بالصلاة ويمحق الهم ، وهي تطفئ نار الغضب ، وتفيد الإحباب للحق والتواضع للخلق ، وترقّ القلب ، وتحبب العفو ، وتكره قبح الانتقام . وكثيرا ما يحضر فيها الرأي والتدبير المصيب والجواب السديد ، وتذكّر العبد بما نسي فيتفكر في مصادر أموره ومواردها ومصالح دنياه وأخراه ، ومحاسبة النفس لا سيما إن أطال الانتصاب ، وكان ذلك ليلا عندما تهجع العيون وتهدأ الأصوات ويتضام قوى