إحداهما : لئلا يستنشقوا الهواء العفن الفاسد فيمرضوا .
وثانيهما : لئلا يجاوروا المرضى فتتضاعف البلية بالأمرين .
وروى أبو داود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ من القرف التلف » « 1 » .
قال ابن قتيبة : « القرف » : مداناة الوباء والمرضى .
وقوله : « لا تخرجوا فرارا منه » فيه إثبات للتوكل والتفويض .
وقيل : إنما حذّر صلّى اللّه عليه وسلّم من الانتقال إليه لأن الانتقال يغيّر المزاج ويضعف القوى ، بدليل قول عائشة : لمّا قدم رسول اللّه المدينة وعك أبو بكر وبلال « 2 » ، الحديث . .
فإذا ضعفت القوى وتغيّر المزج كان تأثير الهواء والوباء فيه أسرع .
وأما قوله : « وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » لأنه مثل هذا الداء العظيم إذا وقع بأرض أضعف الأبدان وأثّر فيها ، وقد ثبت أن الانتقال يضعف الأبدان أيضا ، فتتفاقم البلية ، فلذلك نهى عنه .
وقالت عائشة : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الطاعون ، فأخبرني أنه عذاب يبعثه اللّه على من يشاء من عباده ، وأن اللّه تعالى جعله رحمة للمؤمنين ، ليس من أحد يقع الطاعون في بلده فيمكث صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب اللّه له إلا كان له مثل أجر شهيد « 3 » رواه البخاري .
وقيل : إن الوباء هو الطاعون والمرض العام .
وسببه : تعفّن يعرض في الهواء يشبه تعفّن الماء المستنقع الآسن ، إما عن أسباب أرضية كالقتلى إذا لم تدفن ، أو من أسباب سماوية مثل قلة المطر ، وكثرة الشهب والرجوم ، فإذا تعفّن الهواء عفّن الأخلاط ، ويعم أكثر الخلق وهم أكثر الناس امتلاء .
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رجز » ؛ الرجز هو العذاب . قيل : مات منه في ساعة عشرون ألفا من بني إسرائيل ، وقيل : سبعون ألفا ، فلعلهم أول من عذّب به .
ويقال : ما فرّ أحد من الطاعون فسلم .
وفي قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
« 4 » أي الطاعون .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 3 / 451 ) ، وأبو داود ( 3923 ) .
( 2 ) البخاري ( 5654 ) ، ومالك ( ص 890 ) ، وأحمد ( 6 / 260 ) .
( 3 ) البخاري ( 5734 ) ، وأحمد ( 6 / 64 ، 154 ، 252 ) .
( 4 ) البقرة ؛ 243 .