اختيارا وقدرة وتمكنا من التصرف في موقفه ، عينا كما كان القانون الطبيعي يزيد من قدرة الانسان على التحكّم في الغليان ، بعد أن عرف شروطه وظروفه ، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية ، هي في الحقيقة ليست على حساب إرادة الانسان ، وليست نقيضا لاختيار الانسان بل هي مؤكدة لهذا الاختيار ، توضح للانسان نتائج الاختيار ، لكي يستطيع أن يقتبس ما يريده من هذه النتائج دون غيرها ، ويتعرّف على الطريق الذي يسلك به إلى ما أراد من هذه النتيجة أو تلك بوعي وادراك .
الشكل الثالث :
للسنة التاريخية ، وهو شكل اهتم به القرآن الكريم اهتماما كبيرا ، هو السنة التاريخية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ ، لا على صورة قانون صارم حدّي ، ولكي يتضح ذلك ، لا بد وان نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في أذهاننا عن القانون .
القانون العلمي كما نتصوره عادة ، عبارة عن تلك السنّة التي لا تقبل التحدي ولا النقض من قبل الانسان وهو بالتالي محكوم لها ولا يستطيع الخروج عن دائرة طاعتها ، لأنها قانون من قوانين الكون والطبيعة . يمكنه ان لا يصلي ، لان وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانونا تكوينيا ، يمكنه أن يشرب الخمر ، لان حرمة شرب الخمر قانون تشريعي وليس قانونا تكوينيا ، لكنه لا يمكنه ان يتحدى القوانين الكونية والسنن الموضوعية ، مثلا : لا يمكنه أن يجعل الماء لا يغلى إذا توفرت شروط الغليان ، كما لا يمكنه ان يؤخر الغليان لحظة عن موعده المعين ، لأن هذا قانون والقانون صارم ، والصرامة تأبى التحدي . هذه هي الفكرة التي نتصورها عادة عن القوانين ، وهي فكرة صحيحة إلى حد ما ، لكن ليس من الضروري أن تكون كل سنّة طبيعية موضوعية على هذا الشكل ، بحيث تأبى التحدي من قبل الانسان بهذه الطريقة ، بل هناك اتجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الانسان ، لكن مع شيء من المرونة ، بحيث انها تقبل التحدي ولو على شوط قصير ، وان لم تقبل التحدي على شوط طويل ، وهذا لا يعني أنها ليست اتجاهات تمثل واقعا موضوعيا في حركة